عماد الدين خليل
319
دراسة في السيرة
بالحق ، إن رأيت منها أمرا أنكره عليها قط أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن العجين فتأتي الداجن فتأكله . فقام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من يومه فاستعذر من عبد اللّه بن أبي بن أبي سلول فقال : من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي ، فو اللّه ما علمت على أهلي إلا خيرا وقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا ، وما كان يدخل على أهلي إلا معي . . وبكيت يومي لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم فأصبح عندي أبواي ، وقد بكيت ليلتين ويوما حتى أظن أن البكاء فالق كبدي . فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي إذ استأذنت امرأة من الأنصار فأذنت لها فجلست تبكي معي ، فبينما نحن كذلك إذ دخل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فجلس ولم يجلس عندي من يوم قيل لي ما قيل قبلها ، وقد مكث شهرا لا يوحى إليه في شأني بشيء . فتشهّد ثم قال : يا عائشة لقد بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك اللّه ، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري اللّه وتوبي إليه فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب ، تاب اللّه عليه . فلما قضى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مقالته قلص دمعي حتى ما أحسن منه قطرة ، وقلت لأبي : أجب عني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . قال : واللّه ما أدري ما أقول لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقلت لأمي : أجيبي عني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيما قال . قالت : واللّه ما أدري ما أقول لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وكنت جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن ، فقلت : واللّه لقد علمت أنكم سمعتم ما يتحدث به الناس ووقر في أنفسكم وصدقتم به ، ولئن قلت لكم إني بريئة - واللّه يعلم أني لبريئة - لا تصدقوني بذلك ولئن اعترفت لكم بأمر - واللّه يعلم إني لبريئة لتصدقنني ، واللّه ما أجد لي ولكم مثلا إلا أبا يوسف إذ قال : فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ « 1 » . ثم تحولت على فراشي وأنا أرجو أن يبرئني ، ولكن واللّه ما ظننت أن ينزل في شأني وحيا يتلى ، ولأنا أحقر في نفسي من أن يتكلم بالقرآن في أمري . ولكن كنت أرجو أن يرى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئني اللّه بها ، فو اللّه ما رام مجلسه ولا خرج أحد من أهل البيت ، حتى أنزل عليه الوحي ، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق في يوم شات ، فلما
--> ( 1 ) سورة يوسف ، الآية : 18 .